فخر الدين الرازي

154

تفسير الرازي

واليسع وذا الكفل كل من الصابرين ) * ( الأنبياء : 85 ) وهو صبره على الذبح ، ووصفه أيضاً بصدق الوعد في قوله : * ( إنه كان صادق الوعد ) * ( مريم : 54 ) لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به . الحجة الرابعة : قوله تعالى : * ( فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب ) * ( هود : 71 ) فنقول لو كان الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب ، منه أو بعد ذلك فالأول : باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحق ، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه ، وإلا حصل الخلف في قوله : * ( ومن وراء إسحق ) * والثاني : باطل لأن قوله : * ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ) * يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه ، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر ، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق . الحجة الخامسة : حكى الله تعالى عنه أنه قال : * ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) * ( الصافات : 99 ) ثم طلب من الله تعالى ولداً يستأنس به في غربته فقال : * ( رب هب لي من الصالحين ) * ( الصافات : 100 ) وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد ، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد ، لأن طلب الحاصل محال وقوله : * ( هب لي من الصالحين ) * لا يفيد إلا طلب الولد الواحد ، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله : * ( من الصالحين ) * لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول ، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحق ، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو إسماعيل ، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل . الحجة السادسة : الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة ، فكأن الذبيح بمكة . ولو كان الذبيح إسحق كان الذبح بالشام ، واحتج من قال إن ذلك الذبيح هو إسحق بوجهين : الوجه الأول : أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك ، أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال : * ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) * وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ثم قال : فبشرناه بغلام حليم ) * ( الصافات : 101 ) فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحق ، ثم قال بعده : * ( فلما بلغ معه السعي ) * وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام ، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحق ، وأما آخر الآية فهو أيضاً يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده : * ( وبشرناه بإسحق نبياً من الصالحين ) * ومعناه أنه بشره بكونه نبياً من الصالحين ، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح ، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحق عليه السلام . الحجة الثانية : على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه السلام من